← المجلة Practice · Zen practice

إحدى العلل الجذرية الست: علة الآراء

أول الآراء الخاطئة يُسمى رأي الجسد، وهو يشير في جوهره إلى التمسّك بالذات والتمسّك بمفهوم «مِلكي». ولأنّ المرء يُنشئ تمسّكًا بالذات تجاه جسده، فقد أُطلق عليه اسم رأي الجسد.

(1) رأي الجسد (الاعتقاد بالذات)

أول الآراء الخاطئة يُسمى رأي الجسد، وهو يشير في جوهره إلى التمسّك بالذات والتمسّك بمفهوم «مِلكي». ولأنّ المرء يُنشئ تمسّكًا بالذات تجاه جسده، فقد أُطلق عليه اسم رأي الجسد.

لا يشير «الجسد» هنا إلى الشكل الجسدي فحسب، بل يشمل الكُليّات الخمس (كُليّة الشكل، وكُليّة الإحساس، وكُليّة الإدراك، وكُليّة التكوّنات الذهنية، وكُليّة الوعي).

بعد أن يُنشئ المرء تمسّكًا بالذات تجاه الكُليّات الخمس، يتعلّق بالأشياء الخارجية باعتبارها «مِلكي». وهذا ما يشير إليه مذهب الطريق الأوسط (مادهياماكا) بتمسّك الأشخاص بالأنا (في مقابل تمسّك الظواهر بذاتها). إنّ رأي الجسد هو جذر جميع العلل.

ورغم أنّ البوذية تُصرّح أحيانًا بأنّ الجهل هو جذر السمسارة، وتُصرّح أحيانًا أخرى بأنّ التمسّك بالذات هو الجذر، وتُحدّد أحيانًا التعلّق باعتباره الجذر، فإنّها جميعًا تشير في حقيقتها إلى أمرٍ واحد.

العامل الأكثر حسمًا هو الجهل؛ فالتمسّك بالذات والجهل هما السببان الأساسيّان، بينما التعلّق سبب ثانوي.

ما دام الجهل قائمًا، فسوف ينشأ التمسّك بالذات؛ وحيثما وُجد التمسّك بالذات، يتبعه التعلّق. هذه العوامل الثلاثة تشكّل جذر الوجود الدائري (السمسارة).

في البداية الأولى للسمسارة، لم يكن أوّل ما ظهر هو المادة، بل الجهل، ثم تبعه التمسّك بالذات. وبسبب التمسّك بالذات، برز التعلّق بمفهوم «مِلكي». وما إن ينشأ الجهل والتعلّق بـ«مِلكي» حتى تتبعها جميع العلل الأخرى بشكل طبيعي. ولا سبيل إلى تحقيق التحرّر إلا باجتثاث التمسّك بالذات والجهل.

بإزالة الجهل، يدرك المرء الطبيعة الحقيقية للكون والحياة. وعندئذٍ تنقطع الأوهام والمفاهيم الخاطئة المتنوّعة، وتفقد العلل المولودة من تلك المفاهيم أساسها. وحينئذٍ يتجلّى التحرّر بشكل طبيعي.

هذا هو المنهج والطريق إلى التحرّر الذي أرشد إليه بوذا. وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا في طلب الحكمة، فالحكمة وحدها قادرة على حلّ جميع المشكلات.

إنّ الفصول الستة الأولى من كتاب بوديساتفاتشارافاتارا (دليل طريق حياة البوديساتفا)، التي تتناول الكمالات الخمس —مثل السخاء والانضباط الأخلاقي— جميعها مُصمَّمة لخدمة كمال الحكمة.

إنّ الحكمة هي القادرة على اقتلاع علة الجهل.

الجهل والحكمة نقيضان متنافران. لقلب الجهل، لا عامل يستطيع أن يلعب الدور الحاسم سوى الحكمة. أمّا العوامل الأخرى —مثل الرحمة والتخلّي والإيمان بالكارما والسمسارة— فلا تستطيع أن تؤدّي هذه الغاية القصوى، لأنّها لا تتعارض بطبيعتها مع الجهل والتمسّك بالذات. فلا يزال المرء قادرًا على الإيمان بالكارما والسمسارة، بل وممارسة الرحمة، مع احتفاظه بالجهل والتمسّك بالذات. غير أنّ نشأة الحكمة الخالية من الذات التي تُدرك الفراغ يتطلّب أساسًا من البودي تشيتا والتخلّي. ولذلك فإنّ ممارسة التمهيدات (نغوندرو) بالغة الأهمية.

(2) رأي الأطراف

يُشتقّ رأي الأطراف من أساس رأي الجسد.

حين يعتقد المرء بـ«ذاتٍ» قائمة بذاتها، يتعلّق بأطراف الوجود أو اللاوجود، أو بالأبديّة أو العدميّة. وذلك يعني الاعتقاد بأنّ «الأنا» بعد الموت إمّا ستبقى خالدة لا تتغيّر، أو ستنمحى انمحاءً تامًّا. وهذان يشكّلان الرأيين المتطرّفين. ومن المنظور البوذي، يندرج الموقف الماديّ تحت العدميّة.

تنقسم المادية إلى ثلاثة أنواع: المادية الجدلية، والمادية الميكانيكية، والمادية المبتذلة. وحتى قبل أن يُدير شاكاموني بوذا دارما، كانت توجد أشكال قديمة من المادية المبتذلة. وتتمسك المادية المبتذلة بالرأي العدمي. فهي ترفض الاعتراف بأي شيء يتجاوز ما يمكن إدراكه بالحواس الخمس، وترفض الحيوات السابقة واللاحقة، وقانون الكارما، وغيرها من الظواهر المخفية نسبيًا. يُعرف هذا المنظور باسم العدمية.

على النقيض من ذلك، كانت آراء معظم الأديان الهندية القديمة أبدية. فقد كانت تقبل بذات دائمة لا تندثر، واعتقدت بإله أبدي يحكم العالم وهو خالد. يُعرف هذا الرأي بالأبدية. طالما يعتقد الشخص بهذا الإله، وينأى عن الشر ويمارس الخير، فسوف ينال بالتأكيد مكافآت كرمية إيجابية، وقد يُعاد ميلاده في العوالم العليا للبشر أو الآلهة ليستمتع بالسعادة. يُطلق على الرأي الذي يجمع بين الأبدية والعدمية مجتمعتين اسم رأي التطرف.

بين الاثنين، تُعد العدمية أكثر رعبًا بكثير من الأبدية. كما ورد في أربعمائة بيت في الطريق الوسط: «بعدم إيذاء [الآخرين]، يولد المرء إنساناً أو إلهاً؛ بالتحقق من الفراغ، يصل إلى النيرفانا.» فبعدم إيذاء الكائنات الحية الأخرى، يمكن للمرء أن يُعاد ميلاده في العوالم السعيدة للبشر أو الآلهة؛ وبالتحقق من الفراغ، يمكنه الهروب من السامسارا والوصول إلى النيرفانا.

وتُعد العدمية مرعبة لأنها تفترض أنه بعد الموت لا وجود لأي شيء على الإطلاق، ويتوقف قانون الكارما عن العمل. لذلك، طالما لم يُكشف أمره، يجرؤ الشخص على ارتكاب أي فاحشة – قتل، سرقة، سلوك جنسي غير لائق، أو كذب. يُنظر إلى الأخلاق والفضائل على أنها مجرد تقاليد اجتماعية؛ إذا لم يرغب في الالتزام بها، يمكنه التصرف بكامل اللامسؤولية ويفعل ما يشاء، معتقداً أن عقاب الكارما والحياة الآخرة غير موجودين. ونتيجة لذلك، ينهار كل بنية الأخلاق والفضائل ومفاهيم الكارما، وسوف يواجه الشخص حتماً عقاباً بلا رحمة في حياته التالية.

(3) الآراء المنحرفة

مجرد الجهل بوجود السامسارا والكارما لا يُعد رأياً منحرفاً. فقط الاعتقاد الراسخ بأن قانون الكارما ودورة إعادة الميلاد لا يمكن أن توجد على الإطلاق هو ما يُصنّف كرأي منحرف.

ليس كل الآراء الخاطئة تبلغ درجة «الانحراف». فقط جزء محدد منها يندرج ضمن الآراء المنحرفة. لماذا تُسمّى «منحرفة»؟ لأنها تشوّه القوانين الطبيعية للكون وتُمثّل مصدر كل شر. هذا المنظور مرعب للغاية. أي شخص يتبنى هذا الرأي سيصبح شريراً، جشعاً، وقاسياً للغاية، قادراً على ارتكاب أي فاحشة – قتل، سرقة، سلوك جنسي غير لائق، أو كذب – دون أي قيود. ولهذا يُسمّى هذا الرأي منحرفاً.

تُعرف الآراء الخاطئة الرابعة والخامسة اللتين سيتم مناقشتهما أدناه كلتاهما باسم «آراء التشبث». ذلك لأن هذه المنظورات تحتوي على عنصر من التشبث الصلب – ألا وهو عدم الرغبة في التخلي عنها.

على سبيل المثال، يرفض الشخص التخلي عن بعض الآراء والأحكام، مقتنعاً بأن هذه الآراء والالتزامات صحيحة استثنائياً. ولهذا تُسمّى هذه الآراء آراء التشبث. وتنقسم آراء التشبث بدورها إلى نوعين: آراء التشبث باعتبارها عليا، والتشبث بالقواعد والالتزامات.

(4) آراء التشبث باعتبارها عليا

الكلمة الأولى «رأي» في عبارة «آراء التشبث باعتبارها عليا» تمثل جميع المنظورات الخاطئة.

يعني هذا المرض أن الشخص لا يقتصر على التمسك بآراء الأبدية أو العدمية فحسب، بل يعتقد أيضاً أن هذه المنظورات هي الأفضل والأكثر صحة. ويتشبث بها بعناد، ويرفض التخلي عنها أو نبذها – ويُعرف مثل هذا المنظور الخاطئ باسم آراء التشبث باعتبارها عليا.

على سبيل المثال، لا يرفض بعض كبار السن دراسة البوذية فحسب، بل يعتقدون بإصرار أن السامسارا والكارما غير موجودين على الإطلاق. وهم مقتنعون بأن منظورهم للعالم وفلسفتهم للحياة هما المنظوران الصحيحان الوحيدان. هذا هو المقصود بآراء التشبث باعتبارها عليا.

بما أنّ الآراء توجّه حياة الإنسان وسلوكه توجيهًا حاسمًا، فإن التشبّث بالآراء الخاطئة سيقود حتمًا إلى نتائج خاطئة. ولذلك يُصنَّف التمسك بالآراء بوصفها الأسمى ضمن الآفات الجذرية.

(5) التمسك بالقواعد والطقوس

التمسك بالقواعد والطقوس هو الاعتقاد الخاطئ بأنّ الالتزام بمجموعة من النُّذُر التقشّفية والممارسات التي تدعو إليها التقاليد غير البوذية — ولا سيما تلك التي تنطوي على تعذيب الجسد — هو الطريق الحقيقي إلى التحرّر.

تشير «القواعد والطقوس» إلى النُّذُر والنَّوَاهي. فالبوذية تفرض نواهيَ تحرّم القتل والسرقة وسوء السلوك الجنسي والكذب، كما أنّ التقاليد غير البوذية لها أيضًا قواعدها ومحظوراتها المتنوّعة.

فعلى سبيل المثال، تعدّ البوذية القتل أفدح المساوئ على الإطلاق وتحرّمه تحريمًا قاطعًا في كل الظروف. غير أنّ بعض الأديان القديمة كانت ترى أنّ تقديم القرابين من الماشية والخيول والأغنام، بل وحتى من النساء والأطفال، للآلهة سبيلٌ إلى التحرّر. وكذلك اعتقدت بعض الفِرَق الهندية غير البوذية أنّ وخز الجسم برُمح ثلاثيّ الشُّعَب يجلب التحرّر، أو أنّه يُنال بالتقشّف المُفرِط — كرفض لبس الثياب أو تناول الطعام — ممّا يفضي إلى تعذيب الجسد.

لكنّ الحقيقة أنّ تعذيب الجسد وحده لا يمكن أن يقود إلى التحرّر ما لم يُدرَك الفراغ وتُحَلّ الآفات الداخلية.

فحين يباد هذا الجسد الحالي، يبرز جسدٌ آخر ببساطة. وذبح الكائنات الحيّة الأخرى ليس سببًا للتحرّر، بل على العكس من ذلك تمامًا، فهو يُوقع صاحبه في العوالم الدنيا. وكلّ هذه الآراء الخاطئة الواردة من التقاليد غير البوذية تُعرف بالتمسك بالقواعد والطقوس.

تُعرَف الآراء الخمسة المذكورة آنفًا مجتمعةً بـ«الآراء الخاطئة». وهي جميعًا تقع ضمن صنف الآراء الآفِلية، الذي هو بدوره واحدٌ من ستّ آفاتٍ جذرية (التعلّق، الغضب، الجهل، الكبرياء، الشك، والآراء).

فإذا فصّلنا آفة الآراء الخاطئة إلى هذه الخمسة، بلغ المجموع عشر آفاتٍ جذرية (التعلّق، الغضب، الجهل، الكبرياء، الشك، رأي الجسد، رأي التطرّف، الآراء المُنحَرِفة، التمسك بالآراء بوصفها الأسمى، والتمسك بالقواعد والطقوس).

فكيف نواجه هذه العشر الآفات الجذرية؟

الترياق العامّ هو إدراك الفراغ؛ فمتى تحقّق هذا الإدراك، انحلّت الآفات جميعًا وانقلبت رأسًا على عقب.

أمّا الترياقات الخاصّة، فيمكن للمرء أن يستعين بمفاهيم كعدم الديمومة والمعاناة لكبح التعلّق، وبالرحمة لكبح الغضب والكراهية. ومن خلال دراسة الأبيدهارما وتحليل التجمّعات الخمسة، والمصادر الاثني عشر، والعناصر الثمانية عشر، يُدرِك المرء أنّ «الذات» ليست كيانًا واحدًا صُلبًا، بل هي تركيبٌ من التجمّعات الخمسة والمصادر الاثني عشر والعناصر الثمانية عشر — أي ظاهرةٌ يَنسبها العقل المفاهيمي فحسب. والأمر يشبه تجميع أجزاء مختلفة وتسمية المنتج النهائي «سيّارة»؛ فالأجزاء موجودةٌ نسبيًا وموضوعيًا، أمّا «السيّارة» ذاتها فليست إلا إطلاقًا ذهنيًا. وعلى النحو ذاته، فإنّ «الأنا» لا وجود لها جوهريًا في الحقيقة.

ومن خلال الاستماع والتأمّل والتعوّد، يستطيع المرء أن يُنمّي الحكمة وأن يقلب الجهل رأسًا على عقب في نهاية المطاف.

الهدف الأسمى لدراسة البوذية وممارستها هو اجتثاث الآفات، وعليه يتوقّف نجاح الممارسة أو إخفاقها — يتوقّف كلّه على قدرتنا في مواجهة هذه الآفات.

قد يدرس المرء البوذية سنوات طويلة، ويجمع بين التحصيل العلمي والممارسة، ثمّ لا يلبث — بسبب ضعف ممارسته — أن يجد أنّ تعلّقه وغضبه وجهلَه وكبرياءه وشكّه لم تنقص ولو قدرًا يسيرًا. وحين يصطدم بالمشكلات، يتفاعل تمامًا كما يتفاعل غير البوذيين، أو كما كان يفعل قبل أن يلج المسار البوذي. في هذه الحال، لا تكون دراسته للبوذية عديمة النجاح فحسب، بل تُعدّ إخفاقًا محضًا.

لا ريب أنّ الدراسة والتأمّل والتعوّد وفعل الخير تحمل بعض الفضل، وأنّ وجهات نظرنا وأنماط حياتنا قد تشهد بعض التحسّن، لكنّ هذا ليس لبّ الأمر، وقيمته النهائية تظلّ محدودة. ولذلك ينبغي لنا أن نتّجه إلى الداخل وأن نُمحّص بصدقٍ النتائج الفعلية لممارستنا.

فمن الناس من يواصل الدراسة والاستماع إلى التعاليم دون أن يُمارس التأمّل أبدًا — أي دون أن يُحِلّ أنماط تفكير البوذا والبوديساتفات محلَّ أنماط تفكيره المعتادة — فيتعامل مع البوذية بوصفها ثقافةً أو فلسفةً تُخضع للبحث. وفي ذلك لا يختلف عن أساتذة الجامعات؛ فكثيرٌ منهم يدرس البوذية دراسةً أكاديمية، لكنّ معظمهم لا يؤمن بها فعلًا، فضلًا عن أن تكون لديه الرغبة في الممارسة والتحرّر. وحين يواجهون مشكلات الحياة، لا يلجأون إلى الحكمة البوذية بوصفها ترياقًا. والتنظير على الورق وحده لا يقدر أن يحلّ المشكلات الجوهرية.