آكلو اللحم يجتثون بذور الرحمة العظيمة والطبيعة البوذية؛ وجميع الكائنات الحية تنفر منهم بمجرد رؤيتهم
هنا يلخّص بوذا القول، ويقول للموقّر أناندا إن عليه أن يُذيع هذه الدارما الحقيقية للأجيال القادمة، حتى يعلم الجميع: إن أردتم ترويض سامادهي الماهايانا، فالخطوة التالية هي قطع أخذ الحياة من جذوره!
"علّموا الكائنات الحيّة في العالم ترويض السامادهي، ثم قطع أخذ الحياة. هذا هو التعليم الثاني الحاسم النقي النيّر للتاتاغاتا، ولبوذات الماضي، وللموقّر العالمي."
هنا يلخّص بوذا القول، ويقول للموقّر أناندا إن عليه أن يُذيع هذه الدارما الحقيقية للأجيال القادمة، حتى يعلم الجميع: إن أردتم ترويض سامادهي الماهايانا، فالخطوة التالية هي قطع أخذ الحياة من جذوره!
كما هو موضّح هنا، أوّل ما ينبغي قطعه هو ذهن الشهوة، والثاني هو ذهن القتل. ولا يصحّ إطلاق اسم "التاتاغاتا" إلا على هذا — وهنا يشير التاتاغاتا إلى بوذا العالم الحاضر — بينما "بوذات الماضي" فيشير إلى بوذات العصور الغابرة. هذا هو التعليم الحاسم النقيّ النيّر لجميع البوذات، ماضين وحاضرين.
كما نرى، من النادر داخل سوترا الماهايانا أن ينتقد بوذا أكل اللحم بمثل هذه الشدّة. فالحالات الصارمة كسوترا الشورانغما قليلةٌ حقًا؛ إذ يتعرّض بوذا للمسألة عادةً بشكل عابر لا أكثر. ويأتي السؤال بطبيعة الحال: لأيّ سبب يجعل أكل اللحم المرءَ راكشاساً عظيماً؟
تذكر سوترا البراهماجالا هذا بوضوح تامّ: "الشخص الذي يأكل اللحم يجتثّ بذرة الطبيعة البوذية ذات الرحمة العظيمة، وجميع الكائنات الحيّة تنفر منه وترحل بمجرّد رؤيته." والمعنى أنّ المرء وإن كان يملك في الأصل قلباً ذا رحمة عظيمة، فإنه بأكل اللحم يوماً بعد يوم، س تتلاشى تلك الرحمة تدريجيًا، في كثير من الأحيان دون أن يدرك ذلك. ولذا، عندما يقول بعض الناس: "لْيَمُرَّ الخمرُ واللحمُ عبر أحشائي، بينما يجلس بوذا في قلبي"، فإنّ هذا القول لا يستقيم البتّة. فحين يمرّ الخمر واللحم عبر أحشائك، يتوقّف بوذا تدريجيًا عن الجلوس في قلبك؛ إنّ الراكشاسا هو الذي جلس مكانه هناك. فكيف يبقى بوذا مقيمًا في قلبك بعد ذلك؟ إنّ هذا السلوك يحطّم قلب الرحمة العظيم لديك.
ويتّضح هذا المبدأ على أكمل وجه في مدرسة الوعي وحده. فمدرسة الوعي وحده تُعلّم أنّ أجسادنا وأذهاننا، وعالمنا الظاهريّ بأسره، يحتوي بعضُه على بعضٍ وينفذ بعضُه في بعض: فالذهن يؤثّر في الجسد الماديّ، والجسد الماديّ يؤثّر في الذهن بدوره. على سبيل المثال، في كتاب زونجچينغ لو، يروي المعلم الأكبر يونغمينغ يانشو قصةً صغيرة. يقول إنّه لمّا كان بوذا في العالم، كان هنالك جماعةٌ من البيكشو يتدرّبون في غابةٍ جبليّة. وكان الجميع حينها في رهبنة الصيف، يجتهدون في التدرّب تسعين يوماً، فبلغ كثيرون منهم الثمرات الأولى والثانية والثالثة والرابعة للطريق. وبينما كانوا في التدرّب، أقبل قطيعٌ من القرود. فلمّا رأت القرودُ البيكشو يجتهدون في التدرّب بهذا الشكل، يجلسون جميعاً في التأمّل، فرِحت وأتتهم بأزهارٍ وثمارٍ طازجة وفيرةٍ كقرابين. وبعد أن أتمّ البيكشو تدرّبهم تسعين يوماً، وبلغوا الطريق المقدّس، وارتحلوا، لم يَطُل الوقت حتى قَدِم المتعبّدون من غير البوذيين إلى المكان نفسه. قالوا: "آه، ما أجمل هذا المكان!" فاستقرّوا هناك أيضاً. وعادت القرود التي كانت قد قدّمت القرابين للبيكشو، فلمّا رأت هؤلاء الممارسين الجدد يتهيّؤون للتدرّب أيضاً، أحضرت الأزهار والثمار مرّةً أخرى لتقدّمها لهم. ولكن حين نظرت القرود عن كثب، لاحظت أنّ في هؤلاء الناس شيئاً يختلف عمّن كانوا قبلهم! فقد كان البيكشو جميعاً يجلسون مستقيمين واثقين، أمّا متعبّدو غير البوذيين فكانوا يتدرّبون على كلّ الهيئات — بعضهم قائمٌ على رِجلٍ واحدة، وبعضهم مُلْقًى على الأرض، وهلمّ جرّاً.
في البداية، لم تُولِ القرود الأمر اهتماماً كبيراً، ولكنها بعد أن راقبتهم برهةً، غضبت أشدّ الغضب: كيف يتصرّفون هكذا! ولم تعد تحتمل، فهَجَم قطيعٌ من القرود وأجبر هؤلاء المتعبّدين على الجلوس بالوضع الصحيح — فعقدوا سيقانهم، وشكّلوا بأيديهم مودرا الديانا، وأغمضوا أعينهم قسراً. وطبيعيّ أنّ متعبّدي غير البوذيين قاوموا في أوّل الأمر، ولكنّهم بعد حين قالوا في أنفسهم: "آه، هذه الطريقة جيّدةٌ حقاً — إنّها تُسهّل جمع الذهن!" ونتيجةً لذلك، وبفضل جلوسهم بوضع الساقين المتشابكتين بالكامل، بلغ متعبّدو غير البوذيين سريعاً الديانا الأولى والثانية والثالثة والرابعة.
ولذلك يقول المعلم الأكبر يونغمينغ يانشو في زونجچينغ لو: من الواضح إذن أنّ وضعية الجسد تؤثّر في الذهن. فكما ترون، ما دام متعبّدو غير البوذيين لم يتّخذوا وضعية الساقين المتشابكتين، لم يبلغ منهم أحدٌ تركيز الديانا؛ بل كانوا جميعاً مشتّتين متفرّقين. أمّا أكل اللحم فهو مجرّد فعلٍ جسديّ، ومع ذلك فإنّ التجمّعات الخمس، أجسادَنا وأذهانَنا، وعالمنا الظاهريّ بأسره، تتفاعل فيما بينها جميعاً: فالجسد المادّيّ يؤثّر في الذهن، والذهن يؤثّر في الجسد المادّيّ بدوره. ومن درس شرائع الشرامانيرا منكم فقد يعرف لماذا ينبغي للمرء أن يتّخذ هيئةً كاملةً سويّة: ذلك لأنّ الهيئة الصحيحة تُثمر جمعَ الذهن وتركيزه.
وفي هذا المقطع، يمكن القول إنّ ذمّ بوذا وتهديبه لأكل اللحم على ألسنة الكائنات الحيّة في عصر انتهاء الدارما لَشديدٌ إلى حدٍّ بالغ.