← المجلة Practice · Zen practice

ما هي البوذية الزن؟ النظرة الأكثر شمولاً

يختزل مصطلح «التشان» جوهر الـ«دهيانا» (التأمل العميق). ويعود في جذوره إلى الكلمة السنسكريتية «دهيانا»، التي تُرجمت إلى الصينية لتدل على حالة «تنمية الفكر» و«التأمل الهادئ». وباعتباره واحداً من الباراميتا الست (الكمالات) في مسار البوديسات...

  1. ما هو «التشان»؟

يختزل مصطلح «التشان» جوهر الـ«دهيانا» (التأمل العميق). ويعود في جذوره إلى الكلمة السنسكريتية «دهيانا»، التي تُرجمت إلى الصينية لتدل على حالة «تنمية الفكر» و«التأمل الهادئ». وباعتباره واحداً من الباراميتا الست (الكمالات) في مسار البوديساتفا، يمثل منهجاً عميقاً للنمو الروحي. اليوم، حين نشير إلى «التشان»، فإننا نقصد في الغالب الممارسة التي توارثتها مدرسة التشان. ورغم اشتراكها في الأسس مع «دهيانا» الباراميتا الست، إلا أنها تمتلك خصائصها المتفردة. تُعد الدهيانا واحدة من أقدم الممارسات الروحية، إذ ازدهرت في الهند حتى قبل ميلاد البوذية. وفي نشره للدارما، وضع بوذا ثلاثية «الأخلاق، والدهيانا، والحكمة» كركائز للتعلم، وهي حجر الزاوية الذي لا غنى عنه لأي ممارس بوذي. وعندما دخلت البوذية إلى الصين، اعتمدت الأجيال المتعاقبة من الآباء المؤسسين وكافة المدارس على «الدهيانا» أو «تأمل التشان» كأساس لممارساتهم، وحجر زاوية لتأسيس مدارسهم.

قال المعلم هويننغ، البطريرك السادس للبوذية التشانية: «أن "تجلس" يعني ألا يثور عقلك استجابة لأي ظروف خارجية، خيراً كانت أم شراً؛ وأن تكون في حالة "تشان" يعني أن تدرك طبيعتك الأصلية داخلياً كشيء ثابت لا يتزعزع. التحرر من التعلق الخارجي بالمظاهر هو تشان، والتحرر الداخلي من الاضطراب هو دهيانا. فمن يتعلق بالمظاهر الخارجية يضطرب عقله، ومن يتحرر منها يبقى عقله هادئاً. إن طبيعتك الأساسية نقية ومستقرة بذاتها. فإذا واجهت كافة الظروف وبقي عقلك ثابتاً، فهذه هي الدهيانا الحقيقية.» تكشف هذه الكلمات العميقة عن المعنى الحقيقي للتشان: ففي صخب العالم الدنيوي، يكمن في الحفاظ على السكينة والنقاء الداخلي، دونما اضطراب بالأشياء الخارجية أو انخداع بالمظاهر. ومن منظور معاصر، يبدو «التشان» أقرب إلى فن «التأمل»، حيث ندخل تدريجياً من خلال ممارسة التأمل في حالة الدهيانا. غير أن جوهر التشان يصعب التعبير عنه بالكلمات؛ فهو يتطلب ممارسة شخصية، وخبرة، وإدراكاً مباشراً. فقط من خلال هذه التجربة المباشرة يمكننا أن نعي عالم الدهيانا العميق والواسع، وأن نكتشف الحكمة والسكينة التي يحملها.

(بوذا أثناء ممارسة الزهد) في عام 563 قبل الميلاد، وُلد مؤسس البوذية، سيدهارتا غوتاما. ووفقاً للتقاليد البوذية، وُلد بوذا أميراً. وما إن أيقظته معاناة الشيخوخة، والمرض، والموت، حتى تخلى عن حياته الملكية ليمارس الزهد، حتى بلغ في النهاية الاستنارة ليصبح «بوذا». وقد تركت هذه الديانة أثراً عميقاً في الأجيال اللاحقة. وكان يتأمل في وضعية الدهيانا، متأملاً في معاناة العالم.

  1. ما هو «التشان البوذي»؟

تقف مدرسة «التشان البوذي» العريقة في تاريخ البوذية الصينية بملامح فريدة في المشهد الديني، منذ أن أسس البطريرك بوديدهارما هذا التقليد. ويُبجل بوديدهارما باعتباره البطريرك الثامن والعشرين في سلالة نقل التشان؛ فقد كان كقبطان ماهر، ففي عهد الإمبراطور وو من سلالة ليانغ الجنوبية، خاض الأمواج العاتية ليعبر المحيط ويصل إلى قوانغتشو. ثم في أواخر عهد سلالة وي الشمالية، نشر بذور التشان في منطقة لويانغ، مرشداً الكائنات وفق «الدخولين والممارسات الأربع» لتنمية التشان، ومتخذاً من سوترا لانكافاتارا نصه العقائدي الأساسي. ومنذ نشأته الأولى، ركز التشان البوذي على الدهيانا لاستكشاف المعنى الحقيقي للحياة. ومثل عدائي سباق التتابع، تناقل تلاميذ أمثال هويكي وسنغكان حكمة التشان جيلاً بعد جيل. وقد أسس داوشين، تلميذ سنغكان، بوابة دونغشان للدارما، وعُرف كبطريرك التشان الخامس. وانتشر تلاميذه في العاصمتين، ينشرون الدارما ويحظون بشهرة واسعة لفترة من الزمن.

في مجرى تاريخ التشان الطويل، برز المعلمان شينشيو وهوينينغ كوكبَين ساطعَين، فانقسما إلى المدرسة الشمالية للرياضة التدريجية والمدرسة الجنوبية للاستنارة الفجائية، ليُضيئا معًا سماء التشان. دعا المعلم شينشيو من المدرسة الشمالية إلى الرياضة التدريجية، وفي أواخر سنواته قَدِم إلى العاصمة وكُرِّم معلمًا إمبراطوريًا لثلاثة أباطرة. ورغم أنّ تلاميذه بوجي وييفو نقلوا التعاليم لأجيال عدة، إلا أنّ المدرسة أخذت بالانحدار تدريجيًا. أمّا المعلم هوينينغ من المدرسة الجنوبية، فبحكمته الواسعة ورياضته العميقة، صار السلالة الشرعية للتشان. أقام في معبد باولين بتساوشي في شاوجو، حيث توافد إليه التلاميذ أفواجًا، جميعهم يعترف به البطريرك السادس ويُجِلُّه إجلالًا عميقًا. استند المعلم هوينينغ في تعاليمه إلى سوترا لانكافاتارا، وسوترا الماس، والإيمان بالاستنارة في المهايانا، كاشفًا المعنى الحقّ لدارما بوذا للكائنات الواعية. وتُعدّ سوترا منبر البطريرك السادس، التي هي تحفته الكبرى، كنزًا من كنوز التشان، تنتشر بين سطورها الحكمة اللامتناهية والقوة.

3. ما المبدأ العميق المكوّن من ست عشرة كلمة في البوذية التشانية؟

المبدأ العميق المكوّن من ست عشرة كلمة في البوذية التشانية — «لا اعتماد على الكلمات، ونقلٌ خارج التعاليم، والإشارة مباشرة إلى ذهن الإنسان، ورؤية الطبيعة والتحوّل إلى بوذا» — يشبه بوابة حكمة خفيّة، تقود الكائنات الواعية لاستكشاف الأسرار الكامنة في أعماق قلوبها. في سجل جينغدي للمصابيح الخمسة، ضمن باب «البوذا السبعة، بوذا شاكياموني»، الذي جمعه الراهب بوجي من عهد سلالة سونغ، يُروى أنّ المُبجَّل في العالمين، على قمة جبل النسر، رفع زهرة لوتس ذهبية أمام الجميع، فدفعهم ذلك إلى تأمّل عميق. في تلك اللحظة، ساد الصمت بين الحاضرين، ولم يبتسم سوى الموقَّر ماهاكاسيابا، وكان ذهنه في اتّساق تامّ مع ذهن بوذا، ينقل الحكمة اللامتناهية والمعنى التشاني في الصمت.

امتدحه المُبجَّل في العالمين قائلًا:

«لديّ كنز عين الدارما الحقّ، والذهن العجيب للنيروانا، والحقائق بلا صورة، وباب الدارما الدقيق. لا اعتماد على الكلمات، ونقلٌ خارج الكتب المقدّسة، أوكل هذا كلّه إلى ماهاكاسيابا.»

كانت هذه الكلمات القصيرة العميقة بمثابة مفتاح، فتحت باب الدارما أمام ماهاكاسيابا ليرث رداء بوذا ووعاءه. ويُعدّ الرداء والوعاء، بوصفهما رمزَين لنقل الدارما في البوذية، حامِلَين لحكمة بوذا ورحمته. كما يذكر سجل الصخرة الزرقاء قصة البطريرك بوديدهارما: لمّا أدرك ازدهار القابليّة المهايانية العظيمة في هذه الأرض، قرّر عبور المحيط لينشر الدارما. فنقل ختم الذهن وحده، هاديًا الكائنات الواعية الضالّة، مستخدمًا منهج «لا اعتماد على الكلمات، ونقلٌ خارج التعاليم» للإشارة مباشرة إلى ذهن الإنسان، وتوجيه الكائنات لرؤية طبيعتها والتحوّل إلى بوذا. تُفسّر هاتان الأسطورتان البوذيتان معًا المعنى العميق للمبدأ المكوّن من ست عشرة كلمة في البوذية التشانية. هذا التواصل الذهنيّ بلا كلمات، تمامًا كالاتصال المباشر بين ذهنَي ماهاكاسيابا وبوذا على قمة النسر، لا يحتاج إلى كلمات — تكفي ابتسامة واحدة لندرك المعنى الحقيقي للحياة. وكلمات دارما شاكياموني الموجّهة إلى ماهاكاسيابا هي أفضل تفسير لهذه الحالة الذهنية.

4. ما المقصود بـ«النقل خارج الكتب المقدّسة»؟

«الانتقال خارج النصوص»، هذا المصطلح الفريد في مجتمع تشان (ويُسمّى أيضاً «الانتقال الفردي»)، يوحي بالشعر والرسم، ويخبّئ في طيّاته عمقاً لا ينضب. فهو يشير إلى إدراك يتجاوز قيود الكلمات واللغة، ويبلغ مباشرةً حالة التنوير عند بوذا. أمّا الانتقال بين معلّم تشان وتلميذه فلا يمكن للكلمات أن تفيّه حقّه؛ إنها ممارسة استثنائية لنقلٍ من عقلٍ إلى عقل، تتّسم بصلة روحية حدسية. وتختلف هذه الطريقة في نقل الدارما عن التعاليم النصّية التقليدية، ومن هنا جاء اسم «الانتقال خارج النصوص». والاسم الأنيق الآخر للبوذية التشان، وهو «مدرسة النقل الخاصّ»، ليس سوى إشارة موجزة إلى هذا «الانتقال خارج النصوص».

أسّس هذا الدارما المتعالي في تشان البطريرك الأعظم بودهيدارما بوصفه بطريركاً لتشان. وحكاية «رفع بوذا للزهرة» هي المثال الأبرز على خصائص نقل الدارما في تشان. فهي تُظهر هيبة وقداسة نقل الدارما الأصيل، وتتجسّد فيها تجاوز اللغة المكتوبة من خلال رؤية أرض العقل مباشرةً، وتحقيق الحقيقة القصوى.

وفقاً لـ سجلّ شؤون فناء البطريرك، المجلد الخامس، مقدمة المعلّم هواي، كان البطاركة في بداية نقل التشان يستخدمون التريبْتاكا (السلات الثلاث من القانون البوذي) لإرشاد التلاميذ. غير أنّ البطريرك بودهيدارما، ابتداءً منه، رَسَّخ فكرة النقل الفردي لختم العقل، وحطّم التعلّقات ليكشف عن جوهر المدرسة، وأرسى المبدأ العميق القائل: «لا إقامة للكلمات، انتقالٌ خارج النصوص، إشارةٌ مباشرة إلى عقل الإنسان، رؤية الطبيعة والتحوّل إلى بوذا». ومنذ ذلك الحين، انكشف سرّ تشان من خلال تفسير «لا إقامة للكلمات، انتقال خارج النصوص». وهناك وجهة نظر أخرى ترى أنّ إضفاء هذه القدسية على «الانتقال خارج النصوص» إنما يهدف بالضبط إلى تجنّب أيّ تحريف في المعنى الجوهري لدارما بوذا أثناء عملية النقل، ضماناً لنقاء وقداسة تشان. فتعلّيم بوذا من خلال «الكلمات» و«العبارات» المعتمدة على اللغة هو الدارما داخل النصوص؛ أمّا الابتعاد عن «الكلمات» و«العبارات»، وختم عقل بوذا مباشرةً في القلب، فهو الدارما خارج النصوص. ومن هنا المثل الشهير: «التطلّع إلى الفم هو التعاليم؛ التطلّع إلى العقل هو ما يُسمّى تشان»، الذي تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل ليصبح جوهر تشان.

5. هل البوذية التشان حقاً «لا تعتمد على الكلمات»؟

بعد البطريرك السادس هويِنغ، روّجت البوذية التشان بحماسٍ لطريقة التنوير المفاجئ، ودعت إلى النقل من عقلٍ إلى عقل، متجاوزةً قيود اللغة المكتوبة، فأثنى عليها العالم بوصفها المدرسة التي «لا تعتمد على الكلمات». قال بوذا: «الحديث عن الدارما ليس هو الدارما؛ إنما يُسمّى دارماً». وقال المعلّم هويِنغ أيضاً: «وصفه بوصفه شيئاً ملموساً يعني تفويته». غير أنّ العالم قد أساء فهماً عميقاً لعبارة «لا إقامة للكلمات، انتقال خارج النصوص» في البوذية التشان، فاعتقد كثيرون أنّها تعني التخلّي التامّ عن الكلمات، أو حتى التخلّي عن المبادئ البوذية، وهو في الحقيقة خطأ فادح. فعندما نشر البطريرك بودهيدارما الدارما في الصين، استخدم أيضاً سوترا لنكافاتارا نصّاً تعليمياً له؛ واعتمد تلاميذ المعلّم هويِنغ بصورة رئيسية على سوترا الماس وإيقاظ الإيمان في الماهايانا قاعدةً عقائدية لهم؛ أمّا سوترا منصة البطريرك السادس، العمل الممثّل للمعلّم هويِنغ نفسه، فقد تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل. ومن هذا يتبين أنّ البوذية التشان لم تخلُ جيلٌ من أجيالها من أعمال مكتوبة. فـ«لا إقامة للكلمات» لا تعني خلوّ البوذية التشان من نصوصها الكلاسيكية.

منذ نشأة بوذية التشان، ظهرت سجلات المصابيح والكوانات بأعدادٍ تكاد تعادل الجبال. كيف يمكن أن ينفصل نقل التعاليم يوماً عن مساعدة الكلمات؟ خلال عهدي سُلالتَي تانغ وسونغ وبعدهما، جمعت بوذية التشان عدداً كبيراً من الأقوال المُسجَّلة وسجلات المصابيح وغيرها من المواد المكتوبة، متخذةً من "الكلمات" وسيطاً لتفسير المبدأ العميق القائل: "عدم إرساء الكلمات، والانتقال خارج النصوص، والإشارة المباشرة إلى ذهن الإنسان، ورؤية الطبيعة والوصول إلى البوذية." وحتى تلك "الصيحات والضربات" التي تبدو غامضة، ما هي إلا أشكال خاصة من لغة الجسد وأدوات تعبيرية تُستخدم لإيقاظ الذكاء وفتح باب التنوير. إن طريق الوصول إلى البوذية، وإن كان في جوهره لا صلة له بالكلمات واللغة، فلا يستوجب الانفصال المتعمَّد عنها.

(مخطوطة سوترا الماس)

في الواقع، سواءٌ كانت سوترا لانكافاتارا التي استخدمها بوديدهارما في تعاليمه في الصين، أم سوترا الماس والإيقاظ بالإيمان في الماهايانا اللَّتان شكَّلتا الأساسَين العقائديَّين الرئيسيين لتلاميذ هوينينغ، أم سوترا منبر البطريرك السادس التي تمثِّل نظرية هوينينغ في التشان، فإنها جميعاً تثبت أن بوذية التشان قد عرفت نصوصاً متوارثة في كل جيل. ولذلك، فإن دعوة هوينينغ إلى "عدم إرساء الكلمات" لا تعني أن بوذية التشان تفتقر إلى نصوصٍ كلاسيكية.

  1. ما الأسماء الأخرى لبوذية التشان؟

بوذية التشان، هذه المدرسة البوذية العريقة والعميقة، تُدعى أيضاً مدرسة بوديدهارما ومدرسة ذهن البوذا، وهي تتألق عبر مسار التاريخ الطويل. حين دخلت الصين لأول مرة، سافر البطريرك بوديدهارما وحده قاطعاً آلاف الأنهار والجبال، حتى وَصَل إلى معبد شاولين على جبل سونغ، حيث تفرَّغ للتأمل في عزلةٍ وأدرك دارما بوذا إدراكاً عميقاً. وكان في أعماق المعبد راهبان هما داويو وهو كه، أَكْرَما البطريرك بوديدهارما بإخلاصٍ صادق كأنَّه إله، وظلَّا يخدمانِه إلى جانبه أربعاً أو خمس سنوات. ولما رأى البطريرك صدقَ نيَّتيهما ورسوخَ عزيمتهما، نقل إليهما بفرحٍ المعنى الحقيقي لبوذية التشان، وسلَّم هو كه أربعة مجلدات من سوترا لانكافاتارا. فقال البطريرك: "أرى أن الاستعدادات الروحية للشعب الصيني هي الأنسب لممارسة هذه السوترا. إن التزمتُم بها في ممارستكم، استطعتم تجاوز اضطرابات العالم الدنيوي."

وقد أرسى البطريرك أيضاً شعاراً مكوَّناً من ست عشرة كلمة ليكون جوهرَ بوذية التشان: "عدم إرساء الكلمات، والانتقال خارج التعاليم، والإشارة المباشرة إلى ذهن الإنسان، ورؤية الطبيعة والوصول إلى البوذية." ثم بفضل جهود أجيالٍ متعاقبة من الرهبان البارزين في نشرها — البطريرك الثاني هو كه، والبطريرك الثالث سينغتسان، والبطريرك الرابع داوشين، والبطريرك الخامس هونغرين، والبطريرك السادس هوينينغ — أزهرت بوذية التشان أخيراً كزهرةٍ ذات خمس بتلات، لتصبح أكبرَ مدارس البوذية الصينية. وأما الأجيال اللاحقة، فتكريماً لفضل البطريرك بوديدهارما، اعتبرته أولَ بطاركة التشان؛ ومن هنا جاءت تسمية بوذية التشان بمدرسة بوديدهارما. وفي نقل بوذية التشان، لم يكن الدارما يُمرَّر عبر كلماتٍ مكتوبة، بل كان يُؤكَّد من ذهنٍ إلى ذهن، وهو ما يُعرف بـ"النقل الذي لا ينقله ألف حكيم." ولهذا، ففي النقل النصي لبوذية التشان، يجب أن تُوزن جميع السجلات المكتوبة بعنايةٍ وتُفحص بصرامة. وعلى الرغم من وجود خلافاتٍ حول الروايات المختلفة في عملية النقل، فإن أصلَ نقل دارما التشان ينبع من تلقِّي الموقَّر ماهاكاشيابا لحالة بوذا في التنوير الكامل، نقلاً من ذهنٍ إلى ذهن. ويَدَّعي أتباع التشان جميعاً أنهم تلقَّوا ختمَ ذهن البوذا؛ ومن هنا تُسمَّى مدرستهم أيضاً بمدرسة ذهن البوذا.

كان المحترم مهاكاشيابا التلميذ الأقرب إلى قلب بوذا. بمظهره الصادق المتواضع وعينيه الغائرتين، كان يجسّد الصورة النمطية لزاهدٍ هندي شمالي مُسنّ. وبعد أن غيّره "المكرّم في العالم"، صار "الأول في الممارسات الزاهدية"، ثم أصبح فيما بعد أقدم معلم في البوذية التشانية (الزن) بفضل فهمه الضمني في حادثة "الزهرة والابتسامة".

7. ما هو جوهر التشان؟

لاستكشاف أسرار "التشان" بعمق، لا بد أولًا من إدراك المعنى العميق الكامن وراء هذه الكلمة. فالتشان في حقيقته فنٌّ لاستكشاف المعنى الحقيقي للحياة، كرسّامٍ ذي رؤية ثاقبة يستخدم فرشاة العقل ليرسم الصورة الجوهرية للحياة. وجوهر "التشان" هو طريق حكمةٍ يَخترق منبع الحياة، ويهدف إلى تحرير العقل المُقيَّد وقيادتنا نحو الحالة العليا التي يُعبَّر عنها بـ"حين يهدأ العقل، تَطهر الأرض". وفي هذه المسيرة، يُربي ممارسو التشان طبيعتهم ويصقلونها من خلال الممارسات الزاهدية والتأمل والصبر والكبح ومقاومة الإغراءات في الحياة اليومية، سعيًا إلى الانسجام والتوازن بين الجسد والعقل.

تشبه حالة عقل ممارس التشان السماء الواسعة التي تتسع لكل شيء، بلا حدود ولا نهاية. ومن خلال الملاحظة الدقيقة لجميع ظواهر العالم، يدركون الطبيعة الحقيقية للأشياء الخارجية والعالم الباطني، فيدخلون بذلك في حالة نبيلة هادئة طبيعية. وفي هذه الحالة، يتجاوزون قيود السمسارة (دورة التناسخ) والعالم الدنيوي ودورة الكارما، فينالون الحرية الحقيقية. غير أن "التشان" في الممارسة البوذية التشانية لا يمكن تفسيره بالكامل بالكلمات. فالبوذية التشانية ترى أن جوهر "التشان" بلا شكل ولا صفات ذاتية، وما إن يحاول المرء وصفه بالكلمات حتى يكون قد حاد عن معناه الحقيقي. ولذلك، يدرك ممارسو التشان على طريق التزكية أسرار "التشان" وحكمته غالبًا من خلال الإدراك الباطني والممارسة. وخلاصة القول، إن التشان فنٌّ لاختراق جوهر الحياة، يقودنا إلى السلام الباطني والحرية. وعلى طريق التزكية، قد لا نستطيع تفسير جوهر "التشان" بالكامل بالكلمات، لكن ما دمنا ندركه ونمارسه بقلوبنا، فسنتمكن تدريجيًا من تذوّق حكمته وسحره.

8. ما هي سمات التشان؟

إن سمات "التشان" المُثارة هنا تشير تحديدًا إلى "التشان" الفريد في البوذية التشانية. فمنذ نشأة البوذية التشانية، كان "التشان" الذي تدعو إليه يتشاطر بعض القواسم مع "التأمل التشاني" أو "الديانا" السابقين، مع أنه يُظهر في الوقت نفسه فروقًا لافتة ومميزة. وسمات التشان هي التي تحدد أن طرائق تزكيته فريدة ومتميزة تمامًا عن طرائق المدارس الأخرى.

أولًا، إن "التشان" في البوذية التشانية هو في الحقيقة ممارسة معرفية عميقة. فهو ليس "كمال الديانا" ضمن الباراميتات الست، بل يميل أكثر نحو "كمال الحكمة". وعلى طريق التزكية، يُشدَّد على المبادرة المستقلة والبحث الذاتي وإكمال النفس — وهذه أبرز سماته. ثانيًا، تولي البوذية التشانية عناية خاصة بالحوار المباشر بين المعلم والتلميذ، بهدف إشعال بصيرة التلميذ. ومن خلال هذه الطريقة، يستطيع التلاميذ إدراك المعنى الحقيقي للتشان في حوار الأفكار. وفضلًا عن ذلك، تؤكد البوذية التشانية أن التنوّر هو الخطوة الأولى في الممارسة، إذ ترى أن "التزكية بعد التنوّر" هي السبيل لتحقيق ضعف النتائج بنصف الجهد. ويتطلب التشان السعي إلى الذات، وكثيرًا ما تتحدى عمليته ووسائله المنطق التقليدي، لكنها كثيرًا ما تصير الطريق الوحيد لبلوغ البوذية.

بالإضافة إلى ذلك، لا تنفصل بوذية تشان عن الحياة اليومية، بل تُدمج التربية الروحية بشكلٍ وثيق مع تنقية الحياة اليومية، انطلاقًا من إيمانها بأن «العقل العادي هو الطريق» وأن «دارما بوذا كامنة في العالم، لا تنفصل عن يقظته». وهذا الموقف — الانخراط في شؤون الدنيا بروحٍ متسامية — هو بالذات جوهر ممارسة تشان. كما تتّسم تشان بحسٍّ فكاهي عميق، إذ لا بدّ لمن يعكف على دراستها أن يتحلّى بالبصيرة وسرعة البديهة، ولا غنى له عن حسّ الدعابة. وكان أسلافها على امتداد التاريخ كلّهم أساتذة في الفكاهة، إذ تتجلّى تشان طبيعيًا من خلال روح الدعابة.

9. ما الهدف النهائي لممارسة بوذية تشان؟

تقوم بوذية تشان، التي يكمن جوهرها في الحفر العميق في طبيعة العقل وتفعيلها، على اختراق جميع الظواهر واستنارة العقل لرؤية الذات الحقيقية. ويتميّز مسارها بوحدة التأمل والحكمة على نحوٍ خاص، كاشفًا عن السحر الفريد للممارسة البوذية. وتحتلّ بوذية تشان بلا منازع القمة في الأوساط الأكاديمية البوذية الصينية المعاصرة، إذ تُعدّ طريقتها في الممارسة — الديانا — المنهج والحالة الأعلى في التزكية البوذية. وخلال الديانا، يغوص الوعي في أعماق الفراغ المطلق والسكون العميق، فينبع السلام والحكمة من قرارته. تقول سوترا براجناباراميتا: «حين لا ينبثق فكرٌ واحد، تُولد براجنا». فحين يبلغ العقل مرتبة النقاء الخالص ولا ينبثق فيه أيّ فكر، تتحقّق حالة فراغ جميع العوالم الثمانية عشر. وفي تلك اللحظة، يصير الجسد كثمرة شجرة البودي، والعقل كمنبع الحكمة الروحية. وترى البوذية أن هذه الحالة العليا لا يُدركها إلا الأولياء.

من منظور الفكر التشاني، يُعدّ ما ورد في سوترا براجناباراميتا من «لا نشوء، لا زوال، لا دَنَس، لا طهارة، لا زيادة، لا نقصان، تتأمّل براجنا بحرّية، قادرة على قَطْع كلّ معاناة» تعبيرًا عن إعجابٍ مطلق وتأكيدٍ تامّ لرؤية تشان في فراغ براجنا. وتحتلّ براجنا في بوذية تشان أرفع مكانة، إذ تُلقَّب بأمّ جميع البوذات، ولا سبيل إلى بلوغ البودي الكامل إلا بحكمة براجنا التي تَحُلّ معاناة الحياة. والهدف النهائي لممارسة بوذية تشان هو النيرفانا التي بشّر بها بوذا. وحالة النيرفانا حالةٌ تُطفأ فيها نار الجشع والكراهية والوهم والجهل والآراء المعوجّة والتمييز بين الصواب والخطأ والأشجان، صامتةٌ غيرُ ملوّثة، يُنسى فيها الذات والآخر معًا، مُشِعّةٌ كاملة، حرّةٌ من كلّ قيد. إنها تتجاوز أسرَ الحياة والموت، وتُمثّل الذروة في عالم التحقّق. ومن يدخل هذه الحالة يكون قد أدرك التحرّر الحقيقي والتسامي في صميم الحياة.

10. ما الأساس الفلسفي للفكر البوذي في تشان؟

يَرِد حجر الأساس للفكر الفلسفي في بوذية تشان على اندماج الفلسفة البوذية الهندية مع الرؤى الكونفوشيوسية والتاوية الصينية. ويُمكن تشبيه نشأتها بشجرة عتيقة باسقة: الفكر البوذي جذعها وجذورها، فيما تتفتّح بين أغصانها أزهار الفكر التاوي والكونفوشيوسي. ولو أمعنا النظر في مجرى التاريخ الطويل، لوجدنا أن أجيالًا متعاقبة من معلمي تشان قد استلهموا من سوترا لانكافاتارا، وسوترا النيرفانا، وسوترا اللوتس، وسوترا براجناباراميتا، وسوترا فيمالاكيرتي، وسوترا الماس، وسوترا أفاتامساكا، وسوترا شورانغاما، وسوترا يقظة الاستنارة الكاملة، فبَذَروا بذور الحكمة. وهذا تجسيدٌ حيّ للتلاقح المتعدّد الذي يميّز هذا الفكر.

في مسار تشكّل الفلسفة البوذية التشانية الصينية، تبدو عدّة نصوص بوذية مثل سوترا لانكافاتارا وسوترا فيمالاكيرتي وسوترا الماس وسوترا النيرفانا كمصابيح مُنيرة تُضيء الطريق أمامها. فهي ليست مجرد خزائن للحكمة فحسب، بل أحجار أساس مهمة في تشكّل الفكر التشاني. يتجاوب البوذية التشانية والفكر الطاوي كآلتي وتر متناغمتين في ثلاثة جوانب: «لا ذهن، لا فكر، لا كلام». تحوي الفلسفة التشانية، بوصفها شكلاً فلسفياً فريداً، دلالات فكرية غنية ذات طابع أنطولوجي ومعرفي، وتُظهر في الوقت ذاته خصائص منهجية متميزة، مما يُقرّبها من الفلسفة الطاوية. تؤمن الفلسفة التشانية إيماناً راسخاً بأن «الحقيقة القصوى لا تُقال»، لذا يحمل منهجها الفكري غالباً سحر التفكير الحدسي أو التأمل الجمالي، كضوء القمر الضبابي، غامضٌ لكنه أعمق.

أما فيما يخص الكونفوشية، فإن الفلسفة البوذية التشانية تبدو، خلال تطوّر الكونفوشية في الصين، أشبه براقصَين على المسرح يتنوّر كلٌّ منهما بالآخر، فيتبادلان الامتصاص والاندماج، بدلاً من أن يكون الأمر استلاباً من طرف واحد. وقد أجرت الفلسفة التشانية، بوصفها شكلاً صينياً للمثالية، إحالاتٍ عميقةً وامتصاصاً واسعاً لتقليد نظرية العقل والفطرة المتوارث منذ كونفوشيوس ومنسيوس، كجداول تندمج في نهر عظيم، لتؤلّف معاً لحناً للروح. كما تدرك البوذية التشانية بحدسٍ ثاقب أن المسألة الفلسفية الأساسية هي كيفية تحقيق الانسجام والوحدة بين التفكير الذاتي والواقع الموضوعي. وفي تاريخ الفلسفة، تتصدّى البوذية التشانية لهذه المسألة الجوهرية بجدّية وحذر، إذ تدعو إلى احتضان الموضوعي بالذاتي، وتجاوز الأشكال الموضوعية بالعقل، محقّقةً بذلك الحالة القصوى لوحدة الذات والموضوع.