← المجلة Practice · Zen practice

الهويات الستّ للبوذية: الهوية اسماً

إذا أردنا أن نمشي على طريق البودي بثبات واكتمال، فإنّ أوّل ما علينا فعله في ما نُسمّيه الممارسة الحقّة هو الإصغاء إلى تعاليم الماهايانا.

(٢) الهوية اسماً

أخيراً أسمع نشيد ما لم يولد، لأول مرّة، لحنَ ما لا يموت؛ الآن أعلم أنّ هذا الكائن بعينه هو — وأنا فقط أأسف على السنين التي ضاعت سدى.

إذا أردنا أن نمشي على طريق البودي بثبات واكتمال، فإنّ أوّل ما علينا فعله في ما نُسمّيه الممارسة الحقّة هو الإصغاء إلى تعاليم الماهايانا.

تختلف الماهايانا عن طريق الشرافاكا وعن مركبتا الإنسان والسماء. فبوصفك شرافاكا، يمكنك أن تأوي إلى الجبال — تراقب مئة زهرة تتفتّح في الربيع، وترى الأوراق الصفراء تتساقط في الخريف — فتستيقظ على حقيقة عدم الدوام من تلقاء نفسك. هذا ممكن. لكنّ مجال الممارسة الحقّة هو ما يتجاوز التصوّر. ولا يأتي تعليم الحقيقة الأصيلة (True Suchness) إلاّ عبر التبليغ من قِبَل البوذاّات والبوديساتّفات والأصدقاء الروحيّين — بلا استثناء.

لذا فمن البداية، نحتاج إلى الإصغاء إلى دارما الماهايانا وإدراك مبدأ ما لا يولد وما لا يموت. فما لا يولد يعني عدم الاستحداث؛ وما لا يموت يعني عدم الانقطاع. بعبارة أخرى، عليك أوّلاً أن تعترف بأنّ في عقلك كامنة حقيقةٌ أصيلةٌ لا تستحدث ولا تفنى. تمسّك بهذا أوّلاً.

نحن كائنات عادية نحمل عقلاً يتشابك فيه الحقّ بالباطل. فالعقل الحقّ كامنٌ في العمق، بينما يبقى الفكر الضّلاليّ على السطح. وغالباً ما نعتبر تلك الأفكار الضّلاليّة هي ذاتنا — فنفقد رؤية الحقّ، ونولّد الضّلال، ثمّ نُوهم أنفسنا أنّ ذلك الضّلال هو الحقيقة.

فكر في هذا: عندما نأكل شيئاً لذيذاً، نقول: «أنا سعيد الآن». لكن في الحقيقة، إنّما هي فكرة ضّلاليّة سعيدة — فكرة عابرة تطلق إشارة لذّة. لقد أثارت تلك الفكرةَ موضوعٌ خارجيٌّ؛ إنّها تركيب لحظي. ومع ذلك نُفسّرها على أنّها: «أنا سعيد». ثمّ يستفزّنا أحد، فنُفسّرها على أنّها: «أنا بائس». وفي الواقع، كلّ ذلك مجرّد شعور وخيال تولّدهما أفكار تنشأ وتنقطع. ولا يظهر الحقّ الدائم إلّا عندما تتخلّى عن هذه الأفكار الضّلاليّة — أي حين تترك ما ينشأ وينقطع.

لذا أوّل ما علينا فهمه هو أنّ جوهر عقلنا غير مولود وغير فانٍ. إنّ هذا العقل الذي ينشأ وينقطع ليس هو ذاتك. إنّه مجرّد صورة مركّبة من مشاعر لحظية وخيالات وتعلّقات — مجرّد ظهور زائف.

لذا فإنّ أوّل ما على الممارس الحقّ أن يدركه هو: أخيراً أسمع نشيد ما لم يولد، لأول مرّة، لحنَ ما لا يموت — أي أن تعلم أنّ هذه الأفكار التي تنشأ وتنقطع لا علاقة لها بك.

ثمّ: الآن أعلم أنّ هذا الكائن بعينه هو — وأنا فقط أأسف على السنين التي ضاعت سدى. بالطبع، لا ينبغي لنا أن نرفض الفكر الضّلاليّ رفضاً قاطعاً، فمتى تمّ ترويضه، فإنّ جوهره بعينه هو العقل الحقّ. الأمر كموجات البحر: ما تراه موجات، لكنّها متى استقرّت، لم يبقَ إلاّ ماءً ساكناً.

فمن هنا، انطلاقاً من المبدأ أنّ الضّلال نفسه هو الحقّ، نشعر بندمٍ حادٍ على كلّ أوقاتنا التي أضعناها بلا طائل. إذا نظرنا إلى الوراء، لم يكن كلّ ذلك إلّا فكرة ضلالٍ واحدة معكوسة تتشبّث بالمزيد من الذات — تُولّد الآفات، وتخلق الكارما، وتُعاني آلام السّامسارا بلا أيّ سبب. حقّاً إنّها بلا معنى.

من منظور ممارسة الحقيقة الأصيلة، إذن، هناك أمران يجب فعلهما، كما يُشير هذا البيت:

أوّلاً: تعلّم التمييز بين الحقّ والباطل. عندما تنشأ فكرة، تحتاج إلى أن تحكم: «هذا عقلٌ ينشأ وينقطع؛ وهذا عقلٌ لم يولد.» تحتاج إلى هذا التمييز. قد لا تتمكّن بعد من تغيير أفكارك الضّلاليّة، لكنّك على الأقلّ تستطيع التعرف عليها على حقيقتها. فإن لم تستطع حتى تميّز أنّها ضّلاليّة، فكيف ستتمكّن من الممارسة؟ لن تعرف ماذا تتخلّى عنه وماذا تستقرّ فيه.

المعيار بسيط: كلّ ما ينشأ وينقطع تبعاً لظروف خارجية هو فكرٌ ضّلاليّ. تذكّر — أيّ شيء يمنحك إيّاه العالم، فإنّه سيستردّه أيضاً. فاللذة التي يجلبها أيّ موضوع سوف تأخذه معه حتماً. إنّها ليست ملكك؛ إنّما اقترضتها فقط من محيطك. فأيّ فكرة تنشأ عبر الاحتكاك بموضوعات خارجية هي فكرة ضّلاليّة.

ما هو إذن العقل الحقّ؟ عندما تطرح كلّ فكرٍ ضّلاليّ، يبقى ذلك العقل الحقّ الدائم — ذلك الوعي المنير الذي لم يولد ولا يموت. هذا هو طبيعتك النقية بالطبع. هذا هو العقل الحقّ. لا ينشأ مع الفكر الضّلاليّ، ولا ينقطع معه. هو ساكنٌ مع ديمومة إشراقه، ومُشرقٌ مع ديمومة سكونه. ذلك هو العقل الحقّ.

فعندما نمارس سوترا اللوتس، فإنّ أوّل ما علينا فعله هو أن نعرف كيف نراقب: ما هو العقل الحقّ؟ ما هو الفكر الضّلاليّ؟ تلك هي المهمّة الأولى.

ثانياً، عليك أن تكون مستعدّاً لامتلاكه — أن تتقبّله مباشرة. إنّ التمييز بين الحقّ والباطل مسألة فهم. وما يأتي بعد ذلك يختبر جذر إيمانك. عليك أن تؤمن بأنّ الطبيعة المتأصّلة التي يمتلكها جميع الكائنات هي ذاتُها الدارماكايا (Dharmakāya) الذي حقّقه جميع البوذاّات. وهذا هو: الآن أعلم أنّ هذا الكائن بعينه هو — وأنا فقط أأسف على السنين التي ضاعت سدى.

يُروى عن سيّد التشان تشاو تشو قوله: «في الثمانين من عمري، كنت لا أزال أسير على قدميّ — فقط لأنّ قلبي لم يجد السلام بعد.» كان لا يزال يذهب إلى كلّ مكان، يزور الأصدقاء الروحيّين، حتّى في تلك السن. ثمّ في يومٍ ما اخترق وقال: «أبليتُ أحذيةً حديديةً باحثاً في كلّ مكان — فلم أجد شيئاً. ثمّ جاء بلا أدنى جهد.» قبل استيقاظه، كان قد ذهب إلى كلّ مكان يبحث عن الأصدقاء الروحيّين، يلاحق بوابة الدارما العليا، والتعليم العظيم الأسمى. حينها فقط أدرك: ذلك التعليم العظيم الأسمى يُوجد في اللحظة التي تُدير فيها النور إلى الداخل. أنت تمتلكه بالفعل، كاملاً. لم يكن سوى أنّنا كنا مشوّشين بالفكر الضّلاليّ طوال الوقت.

إذن، يا أصدقائي — إنّ أكبر فرقٍ بيننا وبين العلماء العاديين هو أنّنا تلاميذ الجواهر الثلاثة. متى تفهم المبدأ، ماذا تفعل؟ تتقبّله. الآن أعلم أنّ هذا الكائن بعينه هو — وأنا فقط أأسف على السنين التي ضاعت سدى. لا مزيد من التردّد. هذا، هنا، هو طبيعتي الأصيلة (True Suchness).

فكيف تعرف أنّك قد دخلت مرحلة الهوية اسماً؟ هناك معياران: أوّلاً، أن تستطيع التمييز بين الحقّ والباطل — قد لا تستطيع السيطرة على أفكارك الضّلاليّة بعد، لكنّك تتعرف عليها على أنّها ضّلاليّة، وهذا يكفي. ثانياً، أن تتخذ العقل الحقّ ملكاً لك، مباشرةً ودون تردّد. هاتان العلامتان تدلّانك على أنّك دخلت مرحلة الهوية اسماً.

سوترا اللوتس للدارما العجيبة للسيّد جينغ جيه