تَلَقِّي نُبُوءَةِ البوذَا بِالبُوذَاوِيَّة
ذات يوم، كان بوذا مقيماً في مدينة شراوَستي. وفي تلك المدينة، أنجبت زوجةُ رجلٍ موسرٍ ذي مكانةٍ طفلاً فريداً في جماله وهيبته. أقام الزوجان احتفالاً باذخاً بمناسبة ولادته، وسمّياه اسماً يليق بمكانته الرفيعة، وربّياه بعنايةٍ فائقةٍ على اللبن...
ذات يوم، كان بوذا مقيماً في مدينة شراوَستي. وفي تلك المدينة، أنجبت زوجةُ رجلٍ موسرٍ ذي مكانةٍ طفلاً فريداً في جماله وهيبته. أقام الزوجان احتفالاً باذخاً بمناسبة ولادته، وسمّياه اسماً يليق بمكانته الرفيعة، وربّياه بعنايةٍ فائقةٍ على اللبن والرائب والسمن وغيرها من الأطعمة المغذية.
حين كبر، درس وأتقن ثمانية عشر فرعاً من المعارف الدنيوية، بما في ذلك الكتابة وقواعد سلوك البراهمة وغيرها من الحقول ذات الصلة، وغاص بعمقٍ في كتبٍ فلسفيةٍ عديدة. وكان بليغاً لدرجةٍ جعلته غيرَ قابلٍ للهزيمة في المباحثات.
نما فيه الكبر نمواً عظيماً، إذ انتفخ بموهبته وبجماله الآسر. وبعد أن تُوفّيَ والداه، جاءته مجموعةٌ من البراهمة ينصحونه: «كان والداك، خلال حياتهما، مخلصين جداً في تقديم القرابين وإيتاء الصدقات؛ يجدر بك أن تواصل ممارستهما الفاضلة». فصاح فيهم: «إن هيبتي لباهرة، وحكمتي تفوق حكمَ الآخرين—فكيف لي أن أتنازل فأقدم قرابين أو أتصدق على أحد؟»
لما سمع البراهمة ذلك، أيقنوا بأنّ في خلقه عَوَجاً عميقاً، وأصدروا في خفاءٍ قراراً بأن لا يخالطه أحدٌ من أفراد جماعتهم. ولما علم بقرارهم، استشاط غضباً وقطع كلَّ صلةٍ بتلك البراهمة.
رأى سيّدُ العالَمين أنّ في هذا الولد البرهميّ المتكبّر بذوراً فاضلةً عظيمة، وأنه قادرٌ على توليد بوذيتّةٍ لا نظير لها. فانطلق فوراً من حديقة جيتاوانا إلى منزل الرجل، صاعداً ببطءٍ من باطن الأرض حتى ظهر أمامه.
لما رأى الولد البرهميّ بوذا، فرح فرحاً عظيماً، وأسرع بفرش مقعدٍ ثمينٍ ليدعو سيّدَ العالَمين إلى اتخاذ مكانه. عندئذٍ علّمه سيّدُ العالَمين الدارما المتعلقة بممارسة القرابين والصدقات.
رغبةً منه في مواصلة ممارسة والديه الفاضلة، قدّم إلى سيّدِ العالَمين طلباً: «أيها سيّدُ العالَمين، إنّي أودّ تقديم القرابين وإيتاء الصدقات لأجمع فضلاً، ولكنني لا أملك مالاً فائضاً». بعد أن أرشده سيّدُ العالَمين، اكتشف كنزاً مخبوءاً. ثم انحنى أمام سيّدِ العالَمين باحترامٍ وطلب أن يقدّم قرابين لبوذا وللجماعة (السانغا) مدة ثلاثة أشهر؛ فأومأ سيّدُ العالَمين إيماءةً بالموافقة. وفي الوقت نفسه، أعلن لأهل شراوَستي أنه سيقيم صدقةً عامةً كبيرةً في تاريخٍ محدد، وأنّ جميع من يأتي مرحَّبٌ به أن يأخذ ما يحتاجه، ولن يُردَّ أحد.
أمّا البراهمة الذين قطعوا صلته بهم فظلّوا مستاءين، وأبَوا أن يأتوا ويقبلوا القرابين. لاحقاً، كرّر الإعلان مراراً: «إن أبيتم أيها البراهمة قبول هذه القرابين، فسأتبرّع بكلّ ثروتي لسيّدِ العالَمين ومن معه، ثم سأدخل الرهبنة تحت تعليم بوذا». علم البراهمة أنّ هذا الرجل وفيٌّ لكلمته؛ فإن هو أقدم على الترهّب وتصدّق بكلّ ثروته، فلن يستفيد منها أحدٌ من جماعتهم. فرفعوا الحظرَ الذي أصدروه في الخفاء، وجاءوا ليأخذوا نصيباً وافراً من الثروة.
في اليوم الأخير من قرابينه البالغة ثلاثة أشهرٍ لبوذا والجماعة الرهبانية (السانغا)، قدّم الولد البرهميّ قرابين شخصيةً لكلّ فردٍ من أفراد الجماعة الرهبانية، وقدّم أفضلَ الطعام والشراب والثياب وغيرها من الأشياء الثمينة إلى سيّدِ العالَمين. ثم أمام سيّدِ العالَمين، أدّى نذرَ البوذيتّة العميق: «بفضل هذه القرابين، أتمنّى أن أبلغ ثمرةَ تاثاغاتا، المستيقظ تماماً وكمالاً، وأن أنفع جميع الكائنات الحيّة التي لا حدود لها، المحبوسة في أسر الجهل».
أثنى عليه سيّدُ العالَمين فوراً ومنحه نبوءةَ التنوير: «أحسنتَ! أحسنتَ! سوف تصبح معلّمَ الآلهة والبشر، تاثاغاتا، المستيقظ تماماً وكمالاً، وسيكون اسمك تاثاغاتا رائي الحقيقة».