← المجلة Practice · Zen practice

معرفة طبيعة المعاناة للجسم-العقل ذو الرَّكامات الخمس هي ذاتها فضيلة جسد الدارما

«مع كلّ فكرة عابرة، يسود عدم الدّيمومة؛ والمشاعر المُضلَّلة تتزايد خشونة — هذا ما نُسمّيه الانهيار المفاجئ». ما إن تدور عجلة التّناسخ بفكرةٍ مُضلَّلة واحدة، ويستمرّ هذا الزخم دون توقّف عبر الزّمن، حتى يزداد الوهم عمقًا: «المشاعر المُضلَّ...

«مع كلّ فكرة عابرة، يسود عدم الدّيمومة؛ والمشاعر المُضلَّلة تتزايد خشونة — هذا ما نُسمّيه الانهيار المفاجئ». ما إن تدور عجلة التّناسخ بفكرةٍ مُضلَّلة واحدة، ويستمرّ هذا الزخم دون توقّف عبر الزّمن، حتى يزداد الوهم عمقًا: «المشاعر المُضلَّلة تتزايد خشونة».

حين نقول «المشاعر المُضلَّلة تتزايد خشونة»، فنعني أنّ هذا الوهم حيرةٌ في طبيعة الحقيقة الذّاتية، لا سوءَ فهمٍ للعلّة والمعلول. كلّما ازداد وَهْمُكم بحقيقتكم الأصيلة، اشتدّ تعلّقُكم بالأنا والظواهر، وأثقلَ ثقلُ شروطكم الكارمية المؤدّية إلى السقوط.

هذا الشعور المُضلَّل حيرةٌ في العقل الواحد، وهو العقل النقيّ الفارغ. وهو لا يكفّ عن التّثاقل. بكلامٍ آخر، العقل الواعي العاديّ يبتعد أكثر فأكثر عن طبيعة الذّهن في كلّ لحظة، فينهار انهيارًا فجائيًّا. هكذا يتجلّى الأمر: يبدأ بأوّل اهتزازٍ لفكرةٍ مُضلَّلة واحدة، ويستمرّ بزخم المشاعر المُضلَّلة غير المتوقّف، إلى أن تنشأ جميع الشروط الكارمية وآثارها من العقل وحده.

إذًا، ماذا بوسعنا أن نفعل؟ يَدُلُّنا المعلِّم أُويي على طريقةٍ جوهرية: «إن استطعتَ أن تُرَاقِبَ كلَّ لحظةٍ عابرة، فستجد أنّ طبيعة المعاناة لهذا الجسم-العقل ذو الرَّكامات الخمس ليست سوى فضيلة جسد الدارما؛ وأنّ جميع الشوائب المُضلَّلة ليست سوى فضيلة البرَجنا؛ وأنّ كلّ نشاطٍ كارميّ ليس سوى فضيلة التّحرّر». حين تواجه آثارًا كارميةً قاسية، أوّل ما تفعله أن تُدير النّور إلى داخل، فلا تستطيع مواجهة العلّة والمعلول مواجهةً مباشرة، لأنّك ما إن تُحاول حتى تنقاد في حلقةٍ مفرغة: عاصفة الآثار الكارمية أعظمُ من أن تُواجَه مباشرةً.

يا أصدقاء! لسنا في هذه الحياة نواجه كارما هذه الحياة فحسب. لو كان وجودُنا قد بدأ في هذه الحياة فحسب، لكان التّعامل معه يسيرًا. لكنّ الكارما التي نحملها اليوم هي القوّة الكارمية المُتراكمة والبذور الواهمة المخزَّنة في وعي الألايا منذ دهورٍ لا بداية لها. في الحقيقة، لا أحد منّا يستطيع أن يصمد أمام عاصفة كارمته المُتراكمة مواجهةً مباشرة. لا أحد يستطيع.

إذًا، ماذا بوسعنا أن نفعل؟ أوّلًا، أَدِرِ النّور إلى داخل: راقب أنّ كلّ فكرةٍ بطبيعتها فارغة، واسترح في طبيعة الذّهن النقيّة لتلك الفكرة. ما إن تستقرّ طبيعة ذهنك في لحظةٍ واحدة، فما جدوى مراقبة الشروط والآثار من هناك؟ إنّك تواجه العلّة والمعلول من منظور طبيعة ذهنٍ شاملة. عند تلك النّقطة، العلّةُ والمعلول اللذان تراهما — حياتُك ذاتها مشمولة — يُطابقان ما تصفه سوترا الشورنغاما: «الفراغُ ينشأ في داخل اليقظة العظيمة، كفُقاعةٍ واحدةٍ تطفو على البحر». حين تستريح في طبيعة ذهن لحظةٍ واحدةٍ وتنظر إلى العلّة والمعلول، إنّ هي إلّا فقاعةٌ في المحيط. تُدرك: آه، هذه الحياة التي أعيشُها ليست سوى شظيّةٍ صغيرةٍ من وجودي اللامتناهي. لهذا الأمر أهمّيةٌ بالغة! إنّه رؤيةُ الفقاعة من منظور المحيط.

يا أصدقاء! حين يشعر كثيرٌ منّا أنّ كارمَهُم يستحيل تحويلها، فليس لأنّ عقباتهم الكارمية أثقل من عقبات غيرهم. في الحقيقة، عقباتُ الجميع قد صارت متقاربةً في هذه المرحلة: فعجلة التّناسخ تدور منذ زمنٍ طويلٍ جدًّا. حتى لو كنتَ مهملاً قليلاً في هذه الحياة، حين تُوازِن أخطاء هذه الحياة الواحدة بكارما عددٍ لا يُحصى من الدّهور، ينتهي الجميع إلى التكافؤ تقريبًا.

إذن، إن كانت العقبات الكارمية لدى الجميع متقاربةً في الثّقل، فلماذا يجد بعضهم أنّ تحويل الكارما أسهل؟ لأنّهم، بعد أن أداروا النّور إلى داخل ليتأمّلوا كارمَهُم، فهموا أنّ جسدَ هذه الحياة وعالمَها ليسا سوى جزءٍ صغيرٍ من وجودهم اللامتناهي. إن لم تمارس تأمّل الحقيقة، فقد تظنّ أنّ جسدَك وعالمَك يُشكِّلان كلّ حياتك — وحينها تكون ضائعًا، مسحوقًا بالإحباط. تنظر إلى نفسك فتتول: جسدي في هذه الحياة واهن، ولا جذورٍ لي صالحة فيه! لكنّك لا تدرك أنّ لحياتك بُعدًا آخر. إنّك تحمل أيضًا فضيلة جسد الدارما، وفضيلة البرَجنا، وفضيلة التّحرّر. ما يتجلّى في هذه الحياة ليس سوى جزءٍ يسيرٍ من كلّ وجودك. يا أصدقاء! إنّ فيكم فضائل ذاتيّة لا متناهية لم تُكشف بعد.

إذن، حين تُدير النّور إلى داخل، تُدرك: أن يكون أداؤك في هذه الحياة ضعيفًا ليس أمرًا ذا بال — إنّ هي إلّا فقاعةٌ صغيرةٌ في محيطٍ شاسع. حتى وسط صنوف المعاناة كافة، يحمل جوهرها فضيلة جسد الدارما. حتى مع الآفات التي لا تُحصى، يحمل جوهرها فضيلة البرَجنا. حتى تحت ثقل قوى الميلاد والموت الكارمية اللامتناهية، جوهرُها هو أيضًا فضيلة التّحرّر. غير أنّني لم أُخرج هذه الفضائل بعد. دعوني أصوغها على هذا النّحو: تخيّلوا أنّكم ابنُ رجلٍ عظيمٍ ثريّ. أسرتُك فيها ثرواتٌ هائلة؛ أنت ما ابتعدتَ عن البيت إلّا لفترة. قد لا يكون في يدك مالٌ الآن، لكنّ انعدام المال الآن لا يعني أنّك فقيرٌ حقًّا. أسرتك ثريّةٌ بشكلٍ مذهل! يومًا ما، حين تعود إلى البيت، ستستطيع إظهار كلّ تلك الفضائل.

إذن، يا أصدقاء! ما إن تُديروا النّور إلى داخل، حتى تفهموا هذه الحقيقة: إنّ جسدَ هذه الحياة وعالمَها ليسا سوى جزءٍ يسيرٍ من كلّ وجودكم — كفقاعةٍ واحدةٍ على البحر. ما جدوى هذه الرؤية؟ إنّكم تتربّعون في مقام أصحاب المرحلة الاسمية — لقد أيقظتم بالفعل قوّة الفضيلة الكامنة في حقيقتكم الذّاتية. من مقام أصحاب المرحلة الاسمية، إلى مرحلة التّأمّل، إلى مرحلة المشابهة، إلى مرحلة التّحقّق الجزئي، وأخيرًا إلى مرحلة التّحقّق النّهائي: تُنيرون أنفسكم وتُنيرون غيركم، وتحصدون فوائد لا تنتهي.