بوديساتفا كوانيين في منزلك
يظهر بوذا والبوديساتفا في هذا العالم ليُعلّموا بطرقٍ لا تُحصى، وكثيراً ما يرتكزون في تعليمهم على البرّ بالوالدين. هناك حكاية مشهورة من الصين القارية عن أمّ وابنها. ترمّلت الأمّ شابّةً، وربّت ابنها بمفردها تماماً. أمّا الابن فلم يكن بارّا...
يظهر بوذا والبوديساتفا في هذا العالم ليُعلّموا بطرقٍ لا تُحصى، وكثيراً ما يرتكزون في تعليمهم على البرّ بالوالدين. هناك حكاية مشهورة من الصين القارية عن أمّ وابنها. ترمّلت الأمّ شابّةً، وربّت ابنها بمفردها تماماً. أمّا الابن فلم يكن بارّاً بها على وجه الخصوص، لكنّ أمّه أحبّته حبّاً جمّاً على أيّ حال.
ذات يوم، قرّر هذا الابن العاصي فجأةً أن يحجّ إلى جبل بوتو لتبجيل بوديساتفا غوان يين. وحين وصل إلى الجبل، صادف امرأةً مسنّةً كانت مظهراً من مظاهر بوديساتفا غوان يين، فنادته في الطريق قائلةً: "يا شابّ، إلى أين أنت ذاهب؟" فأجابها أنّه يحجّ إلى جبل بوتو لتكريم بوديساتفا غوان يين.
فأجابته المرأة العجوز: "بوديساتفا غوان يين ليست على جبل بوتو. إنّها في بيتك أنت."
"في بيتي؟" قال مندهشاً. "كيف يكون ذلك؟"
فقالت له: "عُد الآن على عجل. حين تطرق باب بيتك، إن رأيت شخصاً قد ألقى معطفاً قطنياً على كتفيه ولبس حذاءه مقلوباً يخرج ليرحّب بك، فاعلم أنّه هو بوديساتفا غوان يين."
لمّا سمع أنّ بوديساتفا غوان يين في بيته، أسرع بالعودة حالاً. وصل عند الفجر، حين بدأت السماء تسفر، وكان الباب لا يزال مغلقاً. فطرقه.
كانت أمّه تفكّر فيه كلّ يوم، وتنتظر متى يعود. لمّا سمعت طرقه وعرفت صوته، غمرها الفرح والذُعر معاً، ولم تمهل نفسها لتلبس ثيابها على أكمل وجه. ألقت المعطف على كتفيها، وأدخلت قدميها في الحذاء مقلوباً، وهرعت لتفتح الباب.
في اللحظة التي انفتح فيها الباب، رفع الابن رأسه—وكان قد سقط على ركبتيه من قبل، لأنّه عرف أنّ البوديساتفا أمامه. في الضوء الرمادي الخافت للفجر، لم يستطع تبيّن ملامحها جيداً: معطفٌ ملقى بعشوائية فوق كتفيها، وحذاءٌ مقلوب، تماماً كما وصفت المرأة العجوز. أدرك أنّ هذه حقّاً بوديساتفا غوان يين، فسجد على الأرض سجدةً عميقة. وحين اتّضح له أنّها أمّه، استوعب المعنى فجأة. ومن ذلك اليوم، لم يتوقّف عن البرّ بها.
علينا أن نأخذ هذه العِبَر بقلوبنا. فكلّ من يمارس الدارما مدعوّ إلى أن يعيش البرّ بالوالدين دون توانٍ.
علّم بوذا أنّ البركات الثلاث لممارسة الأرض الطاهرة هي السبب الصحيح للكارما الطاهرة لجميع البوذات في الماضي والحاضر والمستقبل. فأوّل هذه البركات، المتعلّقة بالاستحقاق الدنيوي، تعلّمنا: "كونوا أبراراً بوالديكم، واخدموا معلّميكم وكباركم، واعملوا على تنمية الرحمة، وانتهوا عن القتل، ومارسوا الأفعال الفاضلة العشر." يضع بوذا البرّ بالوالدين في مقدّمة هذه القائمة. وهذا هو التعبير الدنيوي عن البرّ، وواجبنا الأساسي أن نؤدّيه.
أمّا البرّ المتعالي فيتجاوز ذلك: فهو يعالج جذور معاناة الوالدين، ألا وهي دورة إعادة الولادة التي لا تنتهي في السامسارا. ما دام والداك على قيد الحياة، ينبغي أن تشاركما مراراً طريق إعادة الولادة في الأرض الطاهرة، وأن تروي لهما قصص الآخرين الذين وُلدوا من جديد في الأرض الطاهرة. سيُيقظ ذلك إيمانهما وفرحهما بدارما الأرض الطاهرة، حتى يتسنّى لهما الأخذ بممارسة ترديد اسم بوذا بإخلاص وتفانٍ مطلق.
أمّا الممارس العلماني، إن لم يجعل من تشجيع والديه على ترديد اسم بوذا والسعي إلى إعادة الولادة في الأرض الطاهرة جوهر واجبه البرّي، فحتّى لو حقّق كلّ ما يتوقّعه الناس من البرّ بالوالدين—تأمين احتياجاتها المادّية، والاعتناء برفاهيتها العاطفية، وتحقيق النجاح في مسيرته المهنيّة، وإجلال اسم عائلته وإضافة مجدٍ لأسلافه—فإنّ ذلك لن يتجاوز حدود البرّ الدنيوي الكاملة. من منظورٍ دنيوي، هذا أمر يبعث على الإعجاب العميق. لكن حين يُقاس بمعيار الدارما المتعالية، فإنّ هذه الأعمال لا تستطيع أن تمنح والديك المنفعة القصوى الدائمة. وفي نهاية المطاف، تبقى هذه المساعي ناقصة وغير مُشبِعة.